
ولد في مخيم عين الحلوة في لبنان، وقبل أن تتفتح عيناه ويتعرّف إلى ما حوله، انتقل مع عائلته إلى مخيم اليرموك، وهناك بدأت أولى صفحات حياته. درس في المخيم، وتخرج في معهد صناعي (VTC) تابع لوكالة الأونروا في دمشق، وحصل على شهادة التدريب المهني. ثم حمل همومه وأوجاعه وهاجر إلى بلادٍ أكثر غربة، لا رائحة لتراب وطن فيها، ولا لحرف الضاد، إلا أن قلبه بقي ينبض بفلسطين، ولم تغب عن فكره يومًا؛ فبدأ يسطّر أبيات الشعر حاملًا همّ قضيته وقضايا إنسانية أخرى.
غسان ياسين، الشاعر المغترب، صدر له ديوان شعري من ثلاثة أجزاء: (كن للنخيل دواءً أيها البرتقال)، و(استراحة على رصيف الوطن)، و(وما زال بالشام ياسمين).
بدايات ومحاولات
بعد تخرجه من المعهد الصناعي، راح يحلم، مثل كثير من الشباب في ذلك الوقت، بالسفر وتأمين مستقبلٍ أفضل. بوصفه الابن الأكبر بين إخوته، ولأن الوضع المادي لأسرته دون المتوسط، شعر بمسؤولية مبكرة تجاه أمه وإخوته، وشكّل هذا الحافز الأول دافعًا له إلى التفكير في مغادرة دمشق. وكان لأخواله المقيمين في ألمانيا دور في تشجيعه على هذه الخطوة؛ إذ رأوا فيها فرصةً للعمل وبناء مستقبلٍ أفضل. وهكذا غادر دمشق في مطلع حياته، لا رغبة في الابتعاد عن وطنه، بل بحثًا عن طريق يبني من خلاله مستقبله ويساعد عائلته. ولم يدرك يومها أنه حين يغادر المكان سيحمل الوطن معه أينما ذهب، وأن الغربة التي خرج إليها بحثًا عن المستقبل ستصبح، مع مرور السنوات، جزءًا من تكوينه الإنساني والشعري.
الباعث الحقيقي الذي قاده إلى دروب الشعر وأزقته كامن في داخله منذ وقتٍ مبكر؛ فقد أحبّ اللغة العربية والشعر، واستمتع بقراءته وتأمله. وفي المدرسة عُدّ من الأوائل في مادة اللغة العربية، على عكس المواد الأخرى، وربما شكّل ذلك أول مؤشرٍ على أن علاقته بهذه اللغة مختلفة. خاض محاولات عديدة لكتابة الشعر في سن مبكرة، لكنه لم يملك آنذاك المفردات والأدوات الشعرية الكافية؛ فما زال صغيرًا، ورأى أن الشعر ليس سهلًا، ولا تكفي محبته وحدها لكتابته. لكن هذه المحاولات لم تتوقف، بل تطورت علاقته بالشعر مع مرور السنوات، وخصوصًا في الغربة؛ فبدأ يعمل على تطوير نفسه من خلال القراءة، رغم شحّ الكتب العربية حوله، فاستعار الكتب من بعض أصدقائه. وحين زار دمشق حرص على شراء الكتب وحملها معه إلى الغربة. ومن الكتب التي اقتناها آنذاك كتاب (المعجم الشامل في علوم اللغة العربية ومصطلحاتها) لمحمد سعيد إسبر وبلال جنيدي، إلى جانب دواوين كثيرة لكبار الشعراء.
قرأ لإيليا أبي ماضي وأبي تمام ومحمود درويش، ومن كتب درويش التي قرأها المجلدان الأول والثاني، و(أوراق الزيتون)؛ وقرأ لنزار قباني (الأعمال السياسية الكاملة)، ولعبد الوهاب البياتي المجلدين الأول والثاني، ولمعين بسيسو وأحمد دحبور، وغيرهم. قرأ لكثير من الشعراء، ولكل شاعر منهم ما تعلّمه منه، سواء في اللغة أو الصورة أو طريقة بناء القصيدة. إلا أنه يؤكد أن هناك شاعرين لهما حضور خاص في تحفيزه، هما محمود درويش ونزار قباني؛ اللذين تصدّرا قائمة الشعراء الذين حفّزوه. ومع ذلك، لم يشأ أن يكون نسخة من أحد. قرأ ليتعلم، وتأمّل ليفهم، ثم حاول أن يجد صوته الخاص، وأن يصوغ عالمه الشعري بعيدًا عن تقليد أي شاعر.
فلسطين المبتدأ والختام
فلسطين هي الحاضر الأول في جميع دواوينه الشعرية، لأنها قضيته الأولى، وإن شغلتْه القضايا العربية كلها. إلا أنّ فلسطين تبقى عنده في المقدمة، لا باعتبارها قضية فلسطينية فحسب، بل باعتبارها قضية عربية وإنسانية؛ ولذلك قال في شعره: (فلسطين عاصمة النضال العربي في عصر الغبار العربي).
أما سقوط بغداد عام 2003م، فلم يكن مجرد سقوط عاصمة بالنسبة له، بل صار علامة فارقةً وفاجعة مفصلية في تاريخ النظام العربي، وحدثًا موجعًا وجرحًا غائرًا هزّ وجدان الأمة وذاكرة شعوبها. فلم يعد انهيار نظام فحسب، بل بدا له يومها سقوطًا لهيبة أمة بأكملها. بغداد أكثر من مدينة؛ إنها رمز وذاكرة وحضور عربي؛ ولهذا رآها كأنها تابوت حملت فيه جنازة العرب، وشيعت معه كرامتهم.
أما كندا، فلم يصنفها عدوة في ذاتها، وإنما حضرت في نصوصه ضمن مرحلة من تاريخ النضال الفلسطيني. فقد حاولت استقطاب الشباب الفلسطيني وإبعادهم عن طريق النضال، في وقت عاش فيه الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر مراحله قسوة خلال الحرب الأهلية في لبنان، وما رافقها من مجازر، ولا سيما مجزرة صبرا وشاتيلا. لذلك جاء حضور كندا في نصوصه مرتبطًا بذلك السياق التاريخي والسياسي، بوصفها جزءًا من محاولات إبعاد الشباب الفلسطيني عن قضيتهم، وتفريغ نضالهم من مضمونه، بما يخدم دولة الاحتلال ويضعف الوعي بالقضية الفلسطينية. فبقيت فلسطين حاضرة في كل المدن التي مرت في شعره، وكأن الأمكنة كلها تؤدي إلى طريق واحد، هو فلسطين، إذ يقول:
فلسطين شمعة ومنفى
تغفو عند الرشيد الليالي
يعلو قمري فوق القمر
أختاه على الأحزان نامي
نحن عراة.. والعرب تخلع ثوبها
إخوتي الموتى على فراش الثلج نأوي
نحن صيحات الثكلى في غابة الصبار موتى
غسان ياسين، الذي حاول أن يمتلك لغة الضاد ليدخل مملكة الشعر، لم يتقيّد بقافية، وله محاولات في كتابة الشعر المُقفّى وشعر التفعيلة. ومع مرور التجربة وتراكمها وجد نفسه في الشعر الحديث بمفهومه الأوسع، حيث شعر أنه يستطيع أن يعبّر عن رؤيته ووجعه وحبه بصورة أكثر صدقًا وحرية. ففي الجزء الأول من ديوانه (كن للنخيل دواء أيها البرتقال) حضرت فلسطين أولًا، إلى جانب حضور الهمّ العربي. وفي الجزء الثاني (استراحة على رصيف الوطن) خصّص الحديث للمحبوبة والحب والحنين والشوق. وفي الجزء الثالث والأخير (وما زال بالشام ياسمين) أفرد الحديث عن الشام واليرموك ووجع البعد. ويبقى قلب الشاعر مشتتًا بين وطنه الذي هجر منه والمنافي، يحمل في طياته حنينًا وشوقًا، ويحاول أن يطفئ لهيبهما بالكتابة الموجعة؛ لعلها تضيء له شمعة أمل العودة.


