بعد إخماد النيران وتبدد الدخان… تفرك عيونك من الحرقة لترى ما تبقى؟! لحظة، هناك يقف الخيال متكوّراً… هل ضاع كل شيء؟! هل من فينيق بين الرماد أو في الأرجاء؟!
واحدة من أكبر عمليات «الإبادة الثقافية الممنهجة» في العصر الحديث، من قبل قوات الاحتلال إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢، كانت تعرّض العديد من المؤسسات الثقافية والتراثية الفلسطينية لعمليات تدمير، حرق، نهب. وأسأل: لماذا هذا النهج؟ ماذا كان في تلك الأثواب، الكتب، الصور والأفلام؟! بقية وطن؟! جدتي تعرف السر، ولكن أية أسرار تعرفها جدتي؟ وأية جدة؟
دمشق، توأم القدس، في طرقاتها العتيقة، في دكاكينها الخشبية، في بعض مطرزاتها، أبحث عما يمكن أن يحمل ملامح الثوب، وأسأل: لمَ كان كل هذا الفن؟! وهل فقدت كل الأبجدية؟ وأين يمكن أن تراه العين؟
أسوار الياسمين والحرير، إليها لجأت عائلة أبي سنة ١٩٤٨، واستقرت في منزل بشبابيك خشبية خضراء في جادة الزرقاء وسط المدينة. وكحفيدة لإحدى المريمات، لم تعد تمتلك من تلك الأرض المقدسة سوى بعض الحكايات، تغزل الخيوط بحثاً عن ذلك الجمال المفقود. لا أثواب حريرية لأمها أو جدتها هنا، وخصوصية الشتات السوري أنها تفتقد التواصل مع الداخل، كما تندر فيها الإصدارات الخاصة في موضوع الأزياء.
تلك الألوان والرسوم، الأقمشة والخيوط المحمرّة المزرقّة، تناديني، تناديني، تشدني إليها لأفهمها، وربما استطعت صنع «زي حكايتها» (1) يوماً ما بتلك الدقة وذلك البريق.
عمّان اليوم فيها العزاء، فمجموعة منتقاة من أجمل الأثواب معروضة في متحف خاص، يمكن أن تنتزع منك الدهشة في تأمل تفاصيلها، اسمه «طراز»، لصاحبته التي حازت على لقب «أم الثوب العربي» السيدة وداد قعوار، وبوعيٍ منها قبل الأوان للفقدان استطاعت عبر السنين أن تقتني ما يقارب ثلاثة آلاف قطعة من التراث الفلسطيني والعربي: أثواب وقطع حليّ. تفتح بيتها للدارسين والمهتمين في الثوب القديم، كما توفر بعض الكتب في هذا المجال.
- «زي حكايتها» تعبير باللغة الدارجة الفلسطينية للتعبير عن مثيلها أو ما يشبهها، كما أن كلمة «الزي» تستخدم للتعبير عن الأزياء
ممتنة لكل الخطوات التي خطّها أشخاص مميزون وأسماء كبيرة، وربما أنسى ذكر الكثير منهم في هذا المجال سهواً. جهودهم منوعة: في رسم عروق التطريز والأثواب، وتثبيت كيفية تطبيق الغرز أو القطب والتفنينات النسيجية في الثوب، وتصوير الأزياء ووصفها ومحاولة تحليلها، والبحث عن نساء الأجيال الماضية وتسجيل عباراتهن وتعبيراتهن.**
في موضوع التراث أو الموروث الشعبي يصعب الجزم في كثير من الأحيان حول بداية أو أصل الأشياء، فأي فن في رسم أو تقنية أو استخدام مادة معينة نجد لها امتداداً موثقاً في مناطق أخرى، والعالم عبر التاريخ لم يكن مناطق منفصلة بل متصلة بطرق تجارة، وأهمها كان طريق الحرير، وبالرحلات، الهجرات، والاحتلالات. وهنا يظهر تعبير «التثاقف» الذي يضع في عين الاعتبار التغيير والتفاعل الثقافي المتبادل بين الجماعات نتيجة الاتصال المباشر.
وعليه، عندما نتكلم عن التطريز من فلسطين أو بلاد الشام كمنطقة متصلة عبر التاريخ فسنتكلم عن فنون نسوية مستمرة، تأثرت وأثرت بثقافات مختلفة، واغتنت وأغنت. رسم معين يمكن أن نجد له عدة أسماء، وبعض النساء كن يعدن التسمية كما هو مناسب.
ربما نقول وما حاجتنا لذلك الثوب القديم الفضفاض بألوانه الفلاحية وقصاته الغريبة؟ فهو لا ينسجم مع حياتنا اليوم… دعونا نقول أيضاً: وهل أفادتنا تلك الفلسفات اليونانية القديمة في تنظيم ذواتنا دون أمثال الجدّات؟ وهل أفادتنا فنون الغرب ومنطقهم عندما أوصلتنا إلى إنتاج أزياء لا تأسر ولاءنا ولا تراعي الطبيعة في المنشأ والتصنيع، وإن قدمت جمالها الموسمي.
فنون الأمس ليس مطلوباً منها أن تُستعاد كما هي، كما ليس علينا أن نصنع معها قطيعة نفقد معها التواصل مع طبقاتنا الطبيعية الفنية والفلسفية في التعامل مع الخامات والطبيعة وأساليب تحويلها في الظاهر والباطن. وعلى قولة المثل (تعبير كنت أسمعه كثيراً من خالة أمي): «إلى ما إلو قديم ما إلو جديد»
التطريز من فلسطين وبلاد الشام يثبت غناه واستطاع تقديم الكثير، ولا يزال مليئاً بالاحتمالات عندما ينتقل إلى فضاءات جديدة.
لمن أخطّ كلماتي في التطريز والأثواب؟! لك أيها الرجل والفتى، كما بالطبع لك أيتها المرأة والفتاة. ربما وجدنا معاً كيف تنظر النسوة إلى عالمهن الداخلي والخارجي، وكيف يكتبن حياتهن والأماني، الماضي والمستقبل، على الصدور والأكمام والبنايق (2) وطرحات الرأس.
(2) بنايق: جمع بنيقة، وهي قطعة إما على شكل شبه منحرف طول قاعدته العليا ثلث طول قاعدته السفلى، أو على شكل مثلث متساوي الساقين، وهي قطع جانبية في الثوب المردن وثوب الجنوب والقمباز وبعض أنواع الدشاديش، وتمتد من الإبط حتى النهاية السفلى لهذه القطع، وهي مهمة في الأثواب المطرزة والمقصة لأنها القطعة يتكثف عليها التطريز أو القصب.
من كتاب «الملابس الشعبية الفلسطينية» – لجنة الأبحاث الاجتماعية – التراث الشعبي الفلسطيني في جمعية إنعاش الأسرة، البيرة. تأليف: شريف كناعنة، عمر حمدان، نبيل علقم، وليد ربيع. اللوحات والرسوم: سليمان منصور ونبيل عناني. إصدار سنة ١٩٨٢.
تشتتنا وتهنا خلال أعوام قاربت الثمانين، مرّت على إخلاء الأرض والبيوت، لكن خيطاً في ثوب، عبر السنين، استطاع أن يقيم التجمعات ويعيد بناء الجدران، وإن كانت خارج الحدود، لا بفأس ومعول بل بإبرة وخيط، علّنا نستعيد للإبرة المركونة في العلبة القديمة دورها في لملمة قطع القماش وخياطة المعاني.
»منذ بدء التكوين والشنيار (3) في الخلف»! حسناً، ولكن لماذا الشنيار في الخلف؟ وذلك الطير المطرز على طرحة رأس من رام الله (4) هو ديك ويصيح!! ها قد وصلت كلماتي حدّها.
سنقرأ معاً في الأثواب كتب النساء، ونطلع على التطريز والحبكات لا التقليد.
»مني خيط ومنك خيط، منعمّر بيت.«
ريّانةً، أتمنى أن تكون كلماتي كبيّارات جدّاتي اليافاويات، أعتصرها من صفحات الذاكرة الموثقة الأكثر رصانة.
إلى غزل وخيوط قادمة، مع كل الود.



