حوارد. عز الدين شلح مؤسس ومدير مهرجان سينما المرأة الدولي في غزة: سجادتنا الحمراء فرشناها بين خيام النازحين والدمار
حوار: ربيع جان

* غزة لا يجب أن تختزل في الحرب والموت والدمار
* الإنسان الفلسطيني لا يزال قادراً على صناعة الثقافة والجمال
* السينما وسيلة للحفاظ على الذاكرة والهوية
* السينما تستطيع أن تمنح المرأة مساحة حقيقية للتعبير
تحت شعار “نساء يصنعن الحياة من الموت”، وفي خيام النازحين في قطاع غزة، أقيمت فعاليات الدورة الثانية لمهرجان غزة الدولي لسينما المرأة بين 26 و31 أكتوبر/تشرين الأول، بمشاركة 73 عملا من 24 دولة عربية وأجنبية، وتوزعت المشاركات على خمس فئات هي: الأفلام الروائية الطويلة، والوثائقية الطويلة، والروائية القصيرة، والوثائقية القصيرة، إلى جانب مسابقة الأفلام الوطنية القصيرة. وقد افتتح المهرجان بعرض خمسة أفلام لمخرجات من غزة التي أكدت بنجاح مهرجانها أن السينما والفن والإبداع تبقى سلاحاً في وجه الموت والدمار.. وللحديث أكثر عن تفاصيل المهرجان كان حوارنا مع رئيس المهرجان ومؤسسه د. عز الدين شلح.
*ما الدافع وراء إقامة المهرجان رغم كل الظروف القاهرة التي تعيشها غزة اليوم؟
** إيماننا بأن غزة لا يجب أن تختزل في الحرب والموت والدمار، نحن شعب لديه حياة وثقافة وفن وحكايات يريد أن يرويها، وقد أصبحت مسؤوليتنا أكبر بعد ما حدث منذ 7 أكتوبر وما تبعه من حرب إبادة ودمار ونزوح، وكان من الممكن أن نقول إن الظروف غير مناسبة وإن إقامة مهرجان سينمائي الآن أمر مستحيل، ولكن كان سؤالنا: إن انتظرنا الظروف الطبيعية فمتى ستأتي؟ لذلك قررنا أن نصنع فعلاً ثقافياً من قلب هذا الواقع، وأن نقول إن الإنسان الفلسطيني حتى وهو يعيش بين الخيام وتحت كل هذا الألم لا يزال قادراً على صناعة الثقافة والجمال والحياة. وهذا لا يعني أننا منفصلون عما يحدث، بل نقيمه لأننا جزء مما يحدث، ولأن الثقافة بالنسبة لنا شكل من أشكال البقاء والحفاظ على الإنسان والذاكرة والصوت الفلسطيني.
*عندما نقول مهرجان سينمائي دولي يخطر ببالنا “الريد كاربت”، ولكن هذه السجادة الحمراء كانت مختلفة في مهرجان غزة، فما هي الرسالة التي أردتم إيصالها من خلال ذلك؟
**كنا حريصين على وجود السجادة الحمراء لأنها جزء من هوية المهرجان وأجوائه، ولأننا نريد للناس رغم كل ما يعيشونه أن يشعروا أنهم أمام مهرجان سينمائي حقيقي، وهي بالنسبة لنا لم تكن رمزاً للترف، بل رسالة، لنقول إن غزة رغم كل ما حدث لها ما زالت قادرة على أن تحتفي بالسينما والفن والحياة. لقد كانت لدينا سجادتنا الحمراء، لكنها كانت سجادة مختلفة، فرشناها بين خيام النازحين وبين الدمار، وهذا المشهد بالنسبة لنا يحمل معنى أكبر بكثير من مجرد تقليد متعارف عليه في المهرجانات السينمائية، لأنها عكست واقع غزة، فلم تكن أمام قاعة فخمة أو وسط أضواء كبيرة، وإنما وسط الخيام والدمار حيث يعيش الناس اليوم، وهنا تكمن خصوصية مهرجان غزة
.
*كيف خططتم لتحقيق حضور شعبي أو استقطاب جماهيري رغم الحالة النفسية والمزاج السائد للسكان؟ وكيف لمستم هذا الحضور في دورة العام الفائت؟
**نحن ندرك تماماً الحالة النفسية والإنسانية التي يعيشها أهلنا في غزة، ولذلك لم نتعامل مع المهرجان باعتباره احتفالاً منفصلاً عن واقع الناس، ولم نطلب من الناس أن ينسوا ما يعيشونه من ألم وفقد ونزوح ليأتوا إلى المهرجان، ولكننا لمسنا في الدورة الأولى أنهم رغم كل ما يعيشونه كانوا بحاجة إلى مساحة مختلفة، مساحة يشاهدون فيها فيلماً ويلتقون بالآخرين ويشعرون ولو لفترة قصيرة أن هناك حياة ما زالت مستمرة. ولهذا لم ننتظر أن يأتي الجمهور إلينا فقط، بل ذهبنا بالمهرجان إلى الناس وأقمنا العروض بينهم وبين خيام النازحين لجعل السينما قريبة منهم ومن واقعهم، علما أن الحضور الشعبي لا يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يشاهدون الأفلام، وإنما أيضا بالأثر الذي يتركه الفيلم في الناس وبالنقاش والتفاعل الذي يحدث بعد العرض. ولقد أعطتنا الدورة الأولى دافعاً كبيراً للاستمرار، لأننا لمسنا أن الناس في غزة رغم الحرب والدمار ما زالوا بحاجة إلى الثقافة والسينما وإلى مساحة تذكرهم بأن الحياة لم تتوقف.
*شارك في المهرجان أفلام من مختلف الدول، وبعضها خذلت أهل غزة، فكيف تعاملتم مع هذا الأمر؟
**بالتأكيد هناك شعور كبير لدى الناس في غزة بأن العالم خذلهم، وهذا الشعور لا يمكن تجاهله بعد كل ما عاشه الناس من قتل وفقد ونزوح وحصار ودمار. لكن في الوقت نفسه نحن نفرق بين مواقف الحكومات والسياسات وبين الشعوب والمثقفين والفنانين والسينمائيين، فقد شاهدنا خلال هذه الحرب أصواتاً كثيرة حول العالم وقفت إلى جانب الشعب الفلسطيني ودافعت عن حقه في الحياة والحرية والكرامة. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون المهرجان دولياً، فوجود أفلام من 24 دولة في هذه الدورة هو بالنسبة لنا شكل من أشكال التواصل الثقافي والإنساني بين غزة والعالم، وعندما تعرض هذه الأفلام بين خيام النازحين فإنها تخلق جسراً بين الإنسان الموجود في غزة وصناع السينما في دول مختلفة. وفي المقابل نحن أردنا من خلال المهرجان أن تصل غزة إلى العالم أيضا، ليس فقط من خلال صور الحرب والدمار، وإنما من خلال الثقافة والسينما وقدرة الإنسان الفلسطيني على أن يصنع الحياة ويحافظ على صوته وحكايته رغم كل ما يحدث.
*ما هي التحديات والصعوبات التقنية واللوجستية التي واجهتكم في التحضير لهذا المهرجان؟
**كانت التحديات كثيرة لأننا كنا نعمل في ظروف غير طبيعية، بداية من انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت وصعوبة توفير المعدات وأماكن العرض والتنقل بين المناطق، وصولاً إلى التواصل والتنسيق مع صناع الأفلام وأعضاء لجان التحكيم الذين شاركوا معنا من خارج غزة عن بعد. وكان هناك أيضا تحد كبير يتعلق بإقامة العروض بين خيام النازحين، لأننا نحتاج في كل عرض إلى توفير مصدر للكهرباء والشاشة والصوت والمكان المناسب، وكل هذه التفاصيل التي تبدو بسيطة في أي مهرجان سينمائي في العالم تتحول في غزة إلى تحد حقيقي بسبب الحرب والحصار وإغلاق المعابر. إضافة إلى ذلك، فإن فريق المهرجان نفسه كان يعيش الظروف التي يعيشها أهل غزة من نزوح وفقد وضغوط نفسية وإنسانية، ومع ذلك استمرينا في العمل والتحضير لأننا نؤمن بأن إقامة المهرجان في هذه الظروف هي جزء أساسي من رسالته. لذلك عملنا وفق الإمكانات المتاحة ووضعنا بدائل لأي ظرف يمكن أن يحدث، لأن الواقع في غزة يمكن أن يتغير في أي لحظة، وكل ذلك في سبيل أن تنطلق الدورة الثانية في موعدها وأن تصل الأفلام إلى الجمهور رغم كل هذه التحديات.
* الأثر الذي كان متوقعاً أن يتركه المهرجان على الحضور المحليين وعلى صناع الأفلام أنفسهم؟
**بالنسبة لنا لم يكن المهرجان مجرد عرض أفلام، بل أردنا أن نخلق مساحة للناس في غزة يستطيعون من خلالها مشاهدة السينما والتفاعل والنقاش رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها، وأن يشعروا بأن الثقافة والفن ما زالا حاضرين وأن الحرب لم تستطع أن تلغي كل أشكال الحياة. أما بالنسبة لصناع الأفلام، فإن عرض أفلامهم في غزة وبين خيام النازحين حمل معنى مختلفاً، لأن أفلامهم وصلت إلى جمهور يعيش واقعاً استثنائياً، وهذا خلق علاقة إنسانية مباشرة بين الفيلم والجمهور، خاصة وأننا اخترنا 25 فتاة من غزة عملنا على تدريبهن في مجال صناعة الأفلام ليتمكن من إنتاج أفلام تنطلق من واقع غزة وتحكي حكاياتهن وحكايات مجتمعهن بأنفسهن. وبالتالي فإن المهرجان لم يكن مهرجاناً يقدم عروضا للأفلام، بل كان مناسبة لإحداث أثر حقيقي في المجتمع من خلال التدريب ونقل المعرفة وخلق جيل جديد من المخرجات والمخرجين القادرين على استخدام السينما للتعبير عن واقعهم ورواية حكاياتهم. وهذا التوجه نعمل على استمراره وتطويره من خلال أكاديمية غزة للسينما، لأننا أردنا أن ينتهي المهرجان وتبقى آثاره، وأن تتحول السينما من أفلام يشاهدها الشباب في غزة إلى أفلام يستطيعون هم أنفسهم صناعتها.
*ولماذا كان المهرجان عن سينما المرأة تحديدا وتحت شعار “نساء يصنعن الحياة من الموت”؟
**منذ البداية اخترنا أن يكون المهرجان متخصصاً في قضايا المرأة، لأننا نؤمن بأن السينما تستطيع أن تمنح المرأة مساحة حقيقية للتعبير عن قضاياها وحكاياتها ولدورها في غزة تحديداً، حيث نراها تحمل أعباء كبيرة في ظل حرب الإبادة، فهي الأم والزوجة والابنة والنازحة، وهي التي تحاول في كثير من الأحيان أن تحافظ على أسرتها وأطفالها وأن تصنع شكلاً من أشكال الحياة وسط الموت والدمار. ومن هنا جاء شعار “نساء يصنعن الحياة من الموت” لأنه يعبر عن واقع المرأة التي نراها كل يوم في غزة وعن قدرتها على الاستمرار وصناعة الحياة رغم كل ما يحيط بها. ولذلك لم نختار أي فيلم لمجرد أنه فيلم جيد من الناحية الفنية، بل كان يجب أن يتناول قضية مرتبطة بالمرأة بشكل حقيقي، لتقديم قيمة إيجابية عنها ولمنحها صوتاً وحضوراً حقيقياً بعيداً عن الصور النمطية. ولقد أردنا من الجمهور عندما يشاهد هذه الأفلام أن يرى تجارب نساء من فلسطين ومن دول وثقافات مختلفة، وأن يفتح ذلك مساحة للنقاش والتفكير في قضايا المرأة ودورها ومكانتها في المجتمع. ولهذا لم يأت الشعار من فراغ، بل جاء من واقع نعيشه ونراه كل يوم في غزة، فالمرأة الفلسطينية خلال حرب الإبادة لم تكن فقط ضحية للحرب، وإنما كانت في كثير من الأحيان هي من تحمل مسؤولية الأسرة وتحاول حماية أطفالها والحفاظ على حياتهم رغم الفقد والنزوح والجوع، فكان شعار المهرجان معبراً عن قدرة المرأة على الصمود والاستمرار وإعادة بناء تفاصيل الحياة مهما كانت الظروف قاسية.
* المعايير الأساسية في اختيار الأفلام المشاركة؟
**المعيار الأساسي كان بالنسبة لنا هو أن يتوافق الفيلم مع هوية مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، إلى جانب ذلك نظرنا إلى القيمة الفنية والإنسانية للفيلم وطريقة معالجة القضية وقدرة الفيلم على الوصول إلى الجمهور وفتح مساحة للتفكير والنقاش. ولم يكن اختيار 73 فيلما من 24 دولة في هذه الدورة بهدف الوصول إلى رقم كبير، بل كان نتيجة عملية اختيار حاولنا من خلالها أن نحافظ على هوية المهرجان ورسالته وأن نقدم في الوقت نفسه تجارب سينمائية متنوعة من فلسطين والعالم.
*وما هي المصادر التي تم استخدامها لتمويل المهرجان بشكل أساسي؟
**يعتمد المهرجان بشكل أساسي على جهود ذاتية ومبادرات ومساهمات فردية ومجتمعية محدودة، وفي ظل الظروف الصعبة التي نعيشها في غزة نحاول أن نستفيد من كل الإمكانات المتاحة حتى نستطيع أن نستمر. فنحن لا نملك إمكانات مالية كبيرة، ولذلك جزء كبير من نجاح المهرجان كان يعتمد على العمل التطوعي وعلى الأشخاص والمؤسسات التي تؤمن برسالته وتقدم ما تستطيع من مساندة وتعاون. وفي الوقت نفسه سنعمل على بناء شراكات مع مؤسسات ثقافية وسينمائية عربية ودولية تستطيع أن تساهم في استدامة المهرجان وتطويره في الدورات القادمة، والمهم أن تبقى هذه الشراكات منسجمة مع هوية المهرجان ورسالته واستقلاليته.
*ماذا تحدثنا عن الفرق بين إقامة المهرجان قبل ثلاث سنوات وإقامته مؤخراً؟
**قبل ثلاث سنوات كان من الممكن أن نفكر في إقامة مهرجان سينمائي في غزة ضمن ظروف مختلفة تماماً، كان التحدي وقتها كيف نستطيع أن نبني مهرجانا دولياً ونستقطب الأفلام وصناع السينما ونخلق حالة ثقافية وسينمائية في غزة. أما في هذه المرحلة نحن نتحدث عن غزة بعد حرب إبادة وعن مجتمع عاش القتل والفقد والنزوح والدمار والحصار، ولذلك كان لإقامة مهرجان سينمائي معنى مختلف ومسؤولية أكبر. ففي هذه المرحلة لم نقم المهرجان في قاعات سينمائية مجهزة، وإنما بين الخيام والدمار وعرضنا الأفلام للناس في الأماكن التي يعيشون فيها، وهذا وحده يعكس الفرق الكبير بين فكرة إقامة مهرجان قبل ثلاث سنوات وإقامته مؤخراً. وقد أصبحت السينما بالنسبة لنا ليس مساحة للعرض والاحتفاء بالأفلام، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة والهوية وتأكيد أن غزة رغم كل ما تعرضت له ما زالت قادرة على أن تصنع ثقافة وسينما وحياة. وكانت رسالتنا ألا ينظر العالم إلى غزة فقط باعتبارها مكاناً للحرب والموت والدمار، بل فيها شعب لديه ثقافة وفن وحكايات وأحلام، وهناك جيل يريد أن يتعلم ويصنع السينما ويروي قصته بنفسه. وعندما أقمنا مهرجاناً سينمائياً دولياً لم نرد أن نقول إن الحياة في غزة طبيعية، بل إننا رغم هذا الواقع القاسي ما زلنا نتمسك بحقنا في الحياة والثقافة والفن، ونريد أن تصل من غزة صورة أخرى إلى العالم، صورة الإنسان الفلسطيني الذي لا يريد فقط أن يكون موضوعاً أمام كاميرات الآخرين، بل يريد أن يمسك الكاميرا.
د.عز الدين شلح
مخرج وسينمائي، يعمل أستاذاً ومحاضراً جامعياً لمواد الإعلام والسينما في قطاع غزة، مؤسس ورئيس مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، منحه مهرجان Cinema d’iDEA في إيطاليا مؤخراً جائزة “صمود” تقديراً لجهوده في تعزيز حضور المرأة الفلسطينية في المجال السينمائي والثقافي ودعم المخرجات وصانعات الأفلام الفلسطينيات، مؤسس لصانع أفلام القدس الدولي. مؤسس ومشرف على أكاديمية غزة للسينما، التي تم الإعلان عن انطلاقتها في حفل افتتاح الدورة الثانية من مهرجان سينما المرأة.




