حوار وشخصيات

حوارالرفيق عمر مراد لمجلة الهدف: طوفان الأقصى فعل مقاوم ومنظم ونوعي ومن العيار الثقيل للعمل الفدائي والبطولي

حوار : محمد أبوشريفة

 

 

  • لم تكن عملية طوفان الأقصى عملية فدائية عادية بل شكلت ضربة استراتيجية في العقل والعمق الصهيوني
  • قلنا حتى نذهب بالانتخابات إلى نتائج تخدم قضيتنا الوطنية، وتبعث الأمل لشعبنا، فلا بد من إجراء حوار وطني
  • إن ثبات الحاضنة الشعبية حول مقاومته أفشل مخططات العدو بالتهجير
  • لا نخشى على الحضور الفلسطيني وحقوق الفلسطينيين في سورية، ونسعى مع القيادة السورية الجديدة من أجل تطوير القوانين الخاصة باللاجئين الفلسطينيين

 

يكتسب الحوار مع الرفيق عمر مراد طابعاً استثنائياً وخصوصياً دالاً، سواء على مستوى المتابعة والإحاطة بثوابت ومتغيرات الحياة السياسية الفلسطينية، أو على مستوى استقراء الواقع الفلسطيني ومآلاته، في مقابلة وقراءة في وعيه من أن فلسطين هي الوطن والإنسان والهوية. وليأخذ هذا الوعي سيرورته في تعضيده لمفهوم الثقافة الوطنية، والالتزام بقضايا الشعب، وإيمانه العميق بالترابط العضوي بين النضال الوطني والاجتماعي، وما انطوت عليه خبرته في سياق العمل الوطني تأصيلاً للوعي بالمقاومة كمبدأ عقدي. وما بين العام والخاص، بجدليتهما الأثيرة، واستحقاقات المواقف والرؤى الوطنية، والحرص على الإطار الوطني الجامع، كان هدف الحوار التالي معه الوقوف على مقاربات ومكاشفات متعددة.

 

طوفان الأقصى فعل مقاوم ونوعي:

السؤال الأول: طوفان الأقصى علامة مضيئة.. وهي إحدى ذروات الصراع العربي الصهيوني، ماذا تعني ذكرى استعادتها اليوم كحدث بارز له الكثير من الدلالات والتأثير والانعكاسات الاستراتيجية.. بمعنى استقرائها كلحظة تاريخية حاسمة؟

– بعد مرور ثلاث سنوات على طوفان الأقصى، وتوقف الكثير من المفكرين والباحثين والسياسيين والخبراء العسكريين والأمنيين الاستراتيجيين، فما يمكن استخلاصه هو أن الشعب الفلسطيني لن يتوقف في صراعه مع المشروع الصهيوني طالما فلسطين محتلة وشعبها يعيش ويلات اللجوء في المخيمات والمنافي، ويتعرض في الداخل لكل أشكال الاضطهاد والقهر والحرمان والتمييز العنصري، ومهدد باستمرار العدوان والإبادة والاقتلاع والتهجير والتطهير العرقي.

طوفان الأقصى فعل مقاوم ومنظم ونوعي ومن العيار الثقيل للعمل الفدائي والبطولي، وهو حق مشروع في مواجهة الاحتلال العنصري الصهيوني الفاشي ومخططاته التصفوية، وخاصة بعد تبني حكومة التطرف الصهيوني التوراتي خطة “حسم الصراع” مع الفلسطينيين والعرب، وفرض الخضوع والاستسلام، وكذلك التطبيع وفقاً لأهداف هذه الخطة.

ومن أهم المعاني والدلالات: هي التأكيد على أن إرادة الشعوب المكافحة من أجل التحرر والاستقلال قادرة على مقاومة الأعداء والمحتلين مهما بلغت قوتهم وجبروتهم وعنصريتهم ووحشيتهم.

عملية طوفان الأقصى هي عملية فدائية نوعية، وهي الأولى بهذا الحجم وفي هذا العمق في تاريخ النضال الفلسطيني، لقد ضربت استراتيجيات الدفاع والأمن والمناعة الصهيونية، وحوّلت العدو الصهيوني إلى نمر من ورق، وأفقدت العدو صوابه وسيطرته لساعات وأيام، مما اضطره إلى العمل بقانون “هانيبال” الصهيوني؛ أي قتل من يتحرك على الأرض، الأسرى وآسريهم، وغير ذلك بغض النظر عن الجنسية سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً.

زرعت الرعب والذعر في أوساط الإسرائيليين، وتعطلت حياتهم بشكل كامل وتوفقت نشاطاتهم الاجتماعية والاقتصادية لأشهر طويلة، ورأوا بأعينهم الخطر الوجودي، وخرافة أنظمة الأمن والحماية والدفاع… وهذا هو السر وراء حضور رؤساء الدول الكبرى من أمريكا وأوروبا، معلنين بأن هذا الكيان ليس مجرد كيان صهيوني أو يهودي، إنما هو مشروع استعماري يخص الدول الإمبريالية الكبرى.

وهكذا التف الشارع العربي وكل قوى التقدم والحرية حول حق الشعب الفلسطيني في النضال والمقاومة، وهذا الطوفان أفزع الدول المطبعة مع الكيان، وخاصة أطراف الاتفاقات الإبراهيمية (نواة الناتو العربي)، وتعطلت عجلته بالتمدد والتوسع، وخسر الأمريكيون والإسرائيليون رهانهم على إمكانية التطبيع السريع مع المملكة العربية السعودية، وبات العالم الذي كان صامتاً على تصفية القضية الفلسطينية، وجرائم العدو الصهيوني مدركاً بأنه لا حل بدون تلبية حقوق الشعب الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية.

 

انتصار العالم للسردية الفلسطينية

السؤال الثاني: مع الطوفان عادت فلسطين كقضية شعب وبوصلة للأمة إلى الواجهة الإقليمية والدولية، كيف تقرؤون هذه التحولات الاستراتيجية، وما رافقها من تغير في الرأي العام العالمي؟

  • نعم أعادت هذه العملية للقضية الفلسطينية مكانتها، وتسارعت بعض الدول مثل فرنسا والسعودية لعقد مؤتمرين من أجل هذه القضية العادلة، وتزايد عدد الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية ووصل إلى 160 دولة، بما فيهم عدد مهم من الدول الأوروبية، وهكذا كشفت ردة الفعل الإسرائيلية، وجرائم حرب الإبادة والتطهير العرقي، وآلاف المجازر مدى وحشية وعنصرية الكيان الصهيوني، فكانت المظاهرات الشعبية العارمة المتضامنة مع الشعب الفلسطيني تجوب معظم مدن وعواصم العالم إدانةً لحرب الإبادة ولكل الجرائم الصهيونية، ودعماً لحقوق الفلسطينيين، والمطالبة بملاحقة قادة الإرهاب الصهيوني ومحاكمتهم وزجهم في السجون، وهذا ما حصل في محكمة العدل الدولية في لاهاي، مع تصاعد مناهضة الصهيونية وحملات المقاطعة الشاملة للكيان الصهيوني، وتميزت قوى اليسار التقدمي العالمي في حضورها ونشاطها نصرةً للحق الفلسطيني.

وكل ذلك أثر في الرأي العام العالمي، ووصل سريعاً إلى جيل الشباب، وما يسمى بجيل (Z)، وخاصة في أمريكا وأوروبا، ويسجل لهذا الجيل بأنه خاض معاركاً ضاغطة ضد حكومات الدول وإدارات المؤسسات والجامعات، وحتى قيادات الأحزاب المناصرين والداعمين للصهيونية أو المطبعين مع الكيان الصهيوني.

نعم هكذا انتصر العالم والرأي العام للسردية الفلسطينية ورواية الحق الفلسطيني، وكشف زيف وبطلان السردية والرواية الصهيونية، وحجم التزوير والعنصرية فيها.

 

محور المقاومة عقد مبدئي للمقاومة

السؤال الثالث: أظهرت الإبادة الجماعية وما جرى من وقائع ضارية ارتقاءً بوحدة الساحات بين مختلف الفصائل الوطنية الفلسطينية، واتساق محور المقاومة. كيف أثرت هذه التجربة على صوغ معادلة جديدة مضادة لحرب الإبادة ونزعات الصهيونية الإحلالية؟

  • لم تكن عملية طوفان الأقصى عملية فدائية عادية بل شكلت ضربة استراتيجية في العقل والعمق الصهيوني، ولم يكتف العدو بملاحقة وقتل الفدائيين، كمحاولة لاستعادة المئات من أسراه، رغم أنه قتل من قتل منهم، إلا أنه وبعد الدعم الذي تلقاه من دول الغرب الإمبريالي، وبعد استعادة بعض قدراته في القيادة والسيطرة ذهب إلى أبعد مدى في وحشيته وعنصريته متبنياً سياسة الأرض المحروقة، وإبادة كل شيء الإنسان والعمران، وكل مقومات الحياة، واقتلاع الفلسطينيين كمحاولة مدروسة لتهجيرهم.

نعم إنها حرب الإبادة الشاملة بأبشع صورها النازية والفاشية، ولازالت مستمرة بأشكال مختلفة، ففي قطاع غزة مئات آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين، ونزوح ما يزيد عن مليون ونصف من بيوتهم، وحصار شامل، حتى قطع الماء والدواء والكهرباء، وشاهد الشعب الفلسطيني كل أشكال الموت الدامي والمؤلم.

وأمام الصمت والتواطؤ والعجز الرسمي العربي، وعجز مؤسسات المجتمع الدولي الداعية إلى وقف الإبادة والعدوان، ورغم التفاف معظم شعوب العالم، إلا أن قوى المقاومة في المنطقة لم تتأخر بالإسناد والمشاركة في مواجهة حرب الإبادة والتطهير العرقي وخطر التهجير، وكان هذا التدخل المباشر من قوى المقاومة في لبنان واليمن تجسيداً حياً لوحدة الساحات، كما شاركت قوى المقاومة من العراق أيضاً.

ربما يتساءل البعض عن حجم وطبيعة المشاركة، وربما يسجل البعض الآخر ملاحظات وفرضيات مختلفة بمنطق (لو)، وهنا لا بد من الإيضاح أحب التوضيح، إن الحديث عن محور المقاومة، ووحدة الساحات هو عقد مبدأي للمقاومة ضد مشاريع ومخططات الهيمنة والسيطرة، وأي عدوان صهيو – أمريكي، ولكن في القلب من ذلك دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته ضد الاحتلال الغاصب، وتوفير كل أشكال الدعم لقوى المقاومة في فلسطين.

اتبعت قوى المقاومة المشاركة أو المساندة للمقاومة الفلسطينية، ومواجهة حرب الإبادة وخطر التهجير تكتيكاتها المناسبة، وهي ألا يؤدي حجم المشاركة والإسناد إلى حرب شاملة في المنطقة، وهذه الحسابات مشروعة ونتفهمها، رغم أننا كنا نقول في لقاءاتنا ضرورة الحذر وتجنب معاني مقولة “أكلت يوم أكل الثور الأبيض” عدا عن ذلك لم يكن هناك خطة واحدة موحدة تعمل بموجبها قوى المقاومة مثل تبعات وتداعيات الزلزال الذي أحدثته عملية طوفان الأقصى في عمق الكيان الصهيوني، وحجم رادت الفعل الصهيونية.

 

الحاضنة الشعبية هي روح المقاومة:

السؤال الرابع: كيف تحددون رؤيتكم لصمود الحاضنة الشعبية والمقاومة وإلى أي حد تشكل صمام أمان للبنية الوطنية والمقاومة، أليست هي الرهان في إفشال ما أرادته الصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية لليوم التالي في قطاع غزة.

– الأهل في قطاع غزة رغم الآلام والمعاناة والعذاب وكل أشكال القتل والنزوح المتكرر، ورغم التدمير الشامل للبيوت والمباني والمؤسسات والمدارس، وكل البنى التحتية بما فيها الكهرباء والماء والطرقات، رغم كل مشاهد الموت والقتل والفقد، ورغم ما تتعرض له الضفة والقدس من عدوان واستيطان وضم واقتلاع واقتحامات وقتل وتدمير وخطر التهويد والتهجير، إلا أنهم يعرفون بوعيهم أو بعفويتهم ماذا يعني لهم الوطن، وماذا تعني لهم الأرض، وقد أعلنوا ذلك منذ بدأ الكيان الصهيوني عدوانه الجهنمي “لن نكرر كارثة النكبة”، “نموت في أرضنا، ولن نغادر” الوطن هو الكرامة، والأرض هي العرض “ولم نسمع صوتاً واحداً في الإعلام يحمّل المقاومة مسؤولية ما تتعرض له الحاضنة الشعبية، وإن كان هناك بعض الأصوات المختلفة إلا أنها على خلفية المواقف المسبقة من المقاومة.

الحاضنة الشعبية وخاصة في فلسطين، سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة هي روح المقاومة، والحارسة لتطلعات الشعب الفلسطيني وآماله في الحرية والاستقلال والعودة والدولة والقدس. حاضنة المقاومة هي حاضنة لأبنائها الفدائيين ولفكرة الحق في الكفاح حتى دحر الاحتلال، قوة المقاومة تستمد من حاضنتها وصمود المقاومة من صمود الحاضنة الشعبية، وإلى الآن لم يستطع العدو الصهيوني تحقيق أهدافه التي رسمها للعدوان وحرب الإبادة.

لذلك فاليوم التالي لن يكون إلا فلسطينياً، وأهم ما ورد في خطة ترامب وقرار 2803 الصادر عن مجلس الأمن هو غزة للفلسطينيين، وعلى الإسرائيلي أن ينسحب، وتعهد دولي بإعادة الإعمار.

إن ثبات الحاضنة الشعبية حول مقاومته أفشل مخططات العدو بالتهجير، ويسجل أيضاً للكثير من الدول، وخاصة مصر والأردن رفضهما المطلق لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، ويبقى لصمود الحاضنة وثباتها في الأرض، وصبرها رغم الجرائم والويلات والعذابات الفضل الأكبر لصمود المقاومة، وتعرية وفضح العقيدة والرواية الصهيونية العنصرية والفاشية أمام الرأي العام العالمي، وتصاعد التضامن العالمي على الصعيد الرسمي والشعبي في معظم دول وشعوب العالم. وبذلك تكون الحاضنة الشعبية هي الضامنة باستمرار النضال والوطني التحرري وحماية المشروع الوطني الفلسطيني.

 

المقاومة خيار الشعوب

السؤال الخامس: كيف لنا أن نترجم كقوى وفصائل وطنية فلسطينية، مكتسبات “طوفان الأقصى”، للاستمرار بالمقاومة ودحر المخطط الصهيوني الإحلالي الشامل؟

  • إن المكتسبات الوطنية السياسية والمعنوية رغم كل الآلام يمكن البناء عليها والتأسيس لمرحلة كفاحية جديدة، وخاصة بعد انكشاف الأهداف الاستراتيجية الصهيونية لكل دول وشعوب العالم، إبادة في غزة، وضم الأراضي في الضفة، ومشاريع الاستيطان الواسعة والمتسارعة عليها، وتهويد القدس ومحيطها، وإعداد الخرائط الصهيونية “لإسرائيل الكبرى” التي تستهدف كل دول الجوار العربي، وما يجري في جنوب لبنان والجنوب السوري إلا دليل على أن الأطماع الصهيونية بلا حدود، ولو استطاع العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحقيق أهدافه بإسقاط إيران أو تطويعها وإخضاعها، لتمكّن الكيان الصهيوني من تحقيق معظم أهدافه بالتطبيع والتطويع وإقامة مناطق أمنية، وإعادة رسم خرائط المنطقة وفقاً لأحلامه الاستعمارية التوسعية.

إن التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني ومقاومته، وما قدمته قوى المقاومة في المنطقة ولا زالت تقدمه هي التي أفشلت الأعداء وكل أهدافهم القريبة أو البعيدة.

إذا لا يمكن تحقيق أهدافنا الوطنية وتحرير فلسطين بدون المقاومة، ولا يمكن تحطيم مخططات الأعداء في السيطرة والهيمنة الاستعمارية بدون مقاومة الشعوب لها، خاصة وإن العدوان الصهيو- أمريكي والأطماع الاستعمارية بمثابة العقيدة أو والمنطلقات الاستراتيجية الاستعمارية، وهي لا تحترم قانون دولي ولا مواثيق دولية، ولا تحترم سيادة الدول وحريتها واستقلالها. فالمقاومة بأشكالها وأنواعها المختلفة خيار واعي تمارسه الشعوب من أجل حماية الأوطان والسيادة والاستقلال.

ونحن في المقاومة الفلسطينية، وفي كل فلسطين والشتات من واجبنا توفير كل أسباب الوحدة والقوة التي تعزز خيار المقاومة في مواجهة الوحشية وغلاة التطرف العنصري الصهيوني، فالحوار والتوافق خطوة أساسية في هذا الاتجاه وتعزيز التحالفات مع الدول والقوى المناصرة للحق الفلسطيني، وإضافة لذلك أرى من الضرورة بمكان التوقف عند المقاومة وخيار وحدة الساحات، وتقييم التجربة على أرضية الاستفادة من الدروس للبناء عليها وتعزيزها.

 

الانتخابات حق دستوري

السؤال السادس: يثار الجدل -اليوم- حول استحقاق الانتخابات الفلسطينية وآلياتها المقترحة: ما هي رؤية الجبهة الشعبية لإجراءاتها، وتوجهاته، المشروطة دولياً، وكيف يمكن جعلها استحقاقاً توافقياً معبراً عن إرادة الشعب والمقاومة خاصة بعدما صدر مرسوم تأجيل موعد الانتخابات إلى أيلول سبتمبر من العام القادم 2027؟

  • الانتخابات الفلسطينية للأسف لم تحصل منذ عشرين عاماً منذ عام 2006، وتم إلغاء الانتخابات التي تحدد موعدها عام 2021 بسبب القرار الإسرائيلي بمنع إجرائها في القدس، ويبقى السؤال ماذا لو منع الإسرائيلي إجراء الانتخابات في القدس بشكل دائم؟!!

الانتخابات حق دستوري وحق للشعب الفلسطيني في كل الميادين وفي كل القطاعات، والحديث هنا ليس عن الانتخابات التشريعية فقط، هناك مجلس وطني، وهناك بلديات ونقابات واتحادات شعبية، والشعب الفلسطيني (15 مليون) نصفه في فلسطين التاريخية، والنصف الآخر في مخيمات ودول اللجوء والشتات، وإن كان ثلاثة أرباع هذا النصف في الأردن ودول الطوق ودول الجوار العربي.. رغم بعض الآراء التي تعترض على الانتخابات في ظل الاحتلال أو في مرحلة الثورة والتحرر الوطني، طبعاً هذه أراء نحترمها حتى لو اختلفنا معها.

يبدو أن عام 2026 كان عام الالتزام بتلبية الشروط المفروضة على السلطة الفلسطينية ورئيسها، فقد أنجزت السلطة انتخاباتها البلدية، وأنجزت حركة فتح مؤتمرها، وسبق ذلك تعيين نائب لرئيس السلطة، وتم إجراء بعض التغييرات في قيادة الأجهزة الأمنية، بقي موضوع الانتخابات التشريعية فأصدر رئيس اللجنة التنفيذية بصفته “رئيس دولة فلسطين” مرسوماً لإجراء انتخابات مجلس وطني فلسطيني جديد بعضوية 350، منهم مئتان من الداخل ومائة وخمسين من الخارج، على أن تتم الانتخابات حيثما أمكن، وبالتوافق إن تعذر. لكن الموقف الأوروبي الضاغط بهذا الاتجاه اعترض على موضوع انتخابات مجلس وطني في الداخل، وطلب ارتباطاً باعترافه بالسلطة بضرورة إجراء انتخابات تشريعية، فصدر المرسوم القاضي بانتخابات مجلس تشريعي، أما المجلس الوطني كان سيتم بالتوافق أو عبر المجمعات الانتخابية، وهكذا تشكلت لجنة تحضيرية مركزية ووفود للسفر واللقاء بالجاليات لإجراء ما يلزم. وللأسف كل ذلك تم بشكل منفرد بعيداً عن التشاور أو التوافق أو التنسيق مع قوى وفصائل فلسطينية وازنة.

رغم اعتراض الكثير من الفصائل على الإدارة المنفردة وتحديد الآليات بشكل منفرد، إلا أن معظم الفصائل الفلسطينية وافقت على المشاركة في الانتخابات، بما في ذلك حركة الجهاد الإسلامي التي أعلنت موافقتها بالمشاركة لأول مرّة.

الإطار الوطني الجامع هو م.ت.ف

السؤال السابع: طرحت الجبهة الشعبية (مبادرة للإنقاذ الوطني)، هل ترون أن هذه المبادرة تنطلق من التوافق على مرحلة انتقالية وتؤسس لمسار عملي يبدأ بالانتخابات ثم إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أساس البرنامج السياسي الموحد والشراكة الحقيقة التي تعيد بناء المنظمة وتستعيد مكانتها ودورها المنشود؟

– الأساس في موقف الجبهة الشعبية هو؛ إذا كانت مراسيم إجراء الانتخابات قد جاءت في سياق تلبية الشروط والضغوط المفروضة على الرئيس الفلسطيني، فكيف نتعامل مع الموضوع لتحويله إلى استحقاق وطني فلسطيني وضرورة فلسطينية؟

هذا ما طرحناه في اللقاء مع الفصائل بشكل ثنائي وبشكل جماعي، وعبرنا عن ذلك بالمحاور الرئيسية ومجموعة الأفكار التي شملتها مبادرة أو ورقة الجبهة “خارطة الطريق من أجل الإنقاذ الوطني”، والتي لم تشير إلى التأجيل، وليست المشكلة هي مسألة التوقيت، لا أبداً….

بل قلنا حتى نذهب بالانتخابات إلى نتائج تخدم قضيتنا الوطنية، وتبعث الأمل لشعبنا، فلا بد من إجراء حوار وطني، تسبقه حوارات مكثفة بين الفصائل، ويتوج بالحوار الوطني الشامل على مستوى الأمناء العامين للفصائل بهدف التوافق الوطني على البرنامج السياسي، ومفهوم الشراكة الحقيقة وآليات تفعيل مؤسسات السلطة والمنظمة، وآليات إجراء الانتخابات التشريعية، وآليات إعادة تشكيل المجلس والوطني، ونضع رؤية موحدة، والهدف تجميع طاقات الشعب وكل القوى والفصائل في الإطار الوطني الجامع لشعبنا وهو منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، والأساس هو البرنامج والشراكة والقيادة الجماعية، والهدف هو مواجهة خطر التصفية والإبادة والاقتلاع والضم والتهجير، وصون الهوية والكيانية الوطنية الفلسطينية.

وطرحت الجبهة أيضاً مرحلة انتقالية يتم فيها تشكيل مجلس وطني انتقالي لمدة محدودة، ليأخذ الحوار مداه وصولاً إلى التوافق، وبعد ذلك تجري الانتخابات، ورأي الجبهة الشعبية هذا ممكن وواقعي، وتستطيع الجبهة القيام بإقناع كل الأطراف بذلك، ولكن بعيداً عن أي شروط مسبقة، سواء كانت شروط سياسية أو اشتراطات فئؤية على قاعدة المحاصة…

تقريباً جميع أو معظم الفصائل الفلسطينية رحبت بفكرة المبادرة ومحاورها الرئيسية، ولكن ارتباطاً بواقع الاحتلال والعدوان المستمر على شعبنا تم صدور المرسوم بتأجيل الانتخابات.

 

لا بد من الحوار والتوفق

السؤال الثامن: من خلال الحوارات واللقاءات التشاورية لإنهاء الانقسام، ما هي المؤشرات حول تعاطي الفصائل مع المبادرة؟

– باختصار شديد الحوارات مهمة ومستمرة، ولا تتوقف مع كل الأطراف الفلسطينية، والكثير من التيارات والمؤسسات والشخصيات الوطنية.

لا أبالغ إذا قلت إن الجميع في موقع ترحيب والتفاعل الإيجابي مع المبادرة، وإن كان البعض يشير إلى مخاوف الاستناد عليها بقرار التأجيل، وكان ردنا عليهم بأن المبادرة تؤخذ كحزمة واحدة بدون انتقائية، وفي أخر الاجتماعات؛ عدد من الفصائل أبلغوا الجبهة الشعبية في اجتماع رسمي بلغة واضحة “نحن مع أي اتفاق وطني تتوصل إليه الجبهة الشعبية مع حركة فتح”.

وللأسف اللقاء الأخير بين الجبهة وحركة فتح، ورغم التعاطي الإيجابي والأجواء الإيجابية التي سبقت، إلا أنهم جاؤوا بالاشتراطات المسبقة لأي حوار وطني شامل، وهي وفقاً لما حدده الرئيس أبو مازن قبل سنوات:

– “إنهاء مفرزات الانقلاب في غزة.

– الالتزام بالنظام الواحد، والقانون الواحد، والسلام الشرعي الواحد.

– الالتزام بمنظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

– الالتزام ببرنامج المنظمة السياسي والتزاماتها الدولية وحدها دون غيرها.

– الالتزام بالمقاومة الشعبية السلمية.

– الالتزام بالحل السياسي على أساس حل الدولتين المستند لقرارات الشرعية الدولية.

– تشكيل حكومة التكنوقراط يتم بقرار من الرئيس محمود عباس، وتتولى مهامها في الضفة والقدس الشرقية وقطاع غزة.

– المفاوضات بشأن التوصل لاتفاق سلام شامل من مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية”.

هذه الاشتراطات ستكون سبباً لتعطيل إمكانية التوصل لأي اتفاق وطني، لكن سنتابع معالجة هذا الموضوع مع الأخوة في حركة فتح بالحوار الجاد، ورفض الشروط المسبقة من أي طرف كان، ولا خيار إلا الوحدة، وطريقها الحوار والتوافق، وغير ذلك سنكون أمام مخاطر جدية وانقسامات حادة، رغم أن العدوان متواصل ولا يرحم.

 

الحرص على تاريخ العلاقة الفلسطينية السورية

السؤال التاسع: لديك تجربة طويلة في العمل الاجتماعي والجماهيري الفلسطيني ضمن أطر الجبهة الشعبية في سورية انطلاقا من المخيمات الفلسطينية في حلب إلى دمشق وغيرها. كيف يتم العمل على ملف القضية الفلسطينية في الجبهة الشعبية تنظيميا وإعلامياً وسياسياً في ظل الأوضاع الجديدة في سورية؟

ج) عشنا آلام ومعاناة اللجوء وقسوة الحياة والحرمان، وتعايشنا مع كفاح الأهل من أجل تأمين لقمة العيش، ووجع ومتعة الحديث عن فلسطين والأرض والمدينة والقرية، وذكرياتهم الجميلة والحنين، والأمل بالعودة القريبة إلى الديار، وهذه حال أبناء المخيمات الفلسطينية في كل مناطق وبلدان اللجوء.. أيضاً كبرنا على إيقاع بدايات العمل الفدائي في فلسطين وعبر الحدود ووراء العدوان في كل مكان.

فلسطين هي الوطن والإنسان والكرامة والهوية والقضية… هكذا جاء ارتباطي بقضية الشعب والأرض والوطن والحرية والعودة.

وبدأت هذا الخيار في مخيمات حلب ومدارس وجامعة حلب، ثم كل المخيمات، وكل الجامعات في سورية من خلال العمل الشبيبي، والاتحاد العام لطلبة فلسطين، ومهام التعبئة الوطنية وتعميق الوعي والثقافة الوطنية، والالتزام بقضايا الشعب، والدفاع عن مصالحة، وحماية حقوقه، فكان الربط العضوي بين النضال الوطني والاجتماعي، وهذا ما أعتز به خلال تجربتي الطلابية أو الحزبية في حلب ودمشق.

أما في سورية وفي ظل القيادة الجديدة، حرصنا على تاريخ العلاقة السورية الفلسطينية، ومكانة القضية الفلسطينية في وجدان الشعب السوري، لا نخشى على الحضور الفلسطيني وحقوق الفلسطينيين في سورية، ونسعى مع القيادة السورية الجديدة من أجل تطوير القوانين الخاصة باللاجئين الفلسطينيين بما فيها حق التملك.

أما النشاط السياسي والإعلامي والثقافي والتنظيمي فهو حق طبيعي للفلسطينيين، وستنظمه قوانين وإجراءات خاصة وفقاً لسياسات الدولة الجديدة وسعيها من أجل إعادة الإعمار والبناء، واستعادة مكانة سورية عربياً ودولياً.

 

زر الذهاب إلى الأعلى