
مقدمة
في البداية، أتوجه بجزيل الشكر والتقدير إلى الأستاذ محمد حسين، على إتاحة هذه المساحة الجميلة من خلال هذا الحوار، التي تفتح لي المجال للتعريف بي وبمسيرتي وأعمالي وإسهاماتي في مجالات الشعر والأدب والترجمة. فهذا الحوار هو فرصة لاستعادة محطات من الذاكرة، والعودة إلى البدايات التي صنعت شيئًا من ملامح التجربة.
السؤال الأول: حدثينا عن طفولتكِ وشبابكِ، وكيف كانت بدايات دخولكِ إلى عالم الكتابة.؟
ترعرعتُ في بيئة كانت تحب العلم والثقافة، وكان للكتاب حضور جميل في طفولتي، خاصة من خلال أخوالي الذين كانوا يحرصون على تزويدي بالكتب والقصص، ويفتحون أمامي أبوابًا واسعة على عوالم لم أكن أعرفها بعد. وكانت مكتبة خالي أحمد خيرَ معينٍ لي في إرواء شغفي بالمعرفة والتعلّم؛ فقد كنت أجد بين رفوفها ما يشبه العالم الذي كنت أبحث عنه، فأقرأ وأكتشف وأطرح الأسئلة، وكل كتاب كان يترك في داخلي نافذة جديدة تطل على الحياة.
كذلك كان للمدرسة أثر كبير في تكوين شخصيتي الثقافية واللغوية. فقد تعلمت في مدرسة راهبات الرسل التابعة لفرنسا، حيث كانت اللغة الفرنسية هي الأساس إلى جانب اللغة العربية. وهذا التنوع اللغوي في مرحلة مبكرة من حياتي منحني فرصة للتعرف إلى ثقافتين وأسلوبين مختلفين في التعبير والتفكير، وترك أثرًا عميقًا في علاقتي بالكلمة، وهو ما انعكس لاحقًا على تجربتي في الأدب والترجمة.
وأذكر أن تلك الطفولة، بكل ما حملته من قراءة وشغف وأسئلة، قادتني في سن الثانية عشرة إلى أولى خطواتي الحقيقية في عالم الكتابة. ففي ذلك العمر نشرتُ أولى كتاباتي الشعرية في مجلة «الحرية» التي كانت تصدر في لبنان، وكانت القصيدة بعنوان «أو تسألني عن الهوية؟»، وقد تناولت فيها القضية الفلسطينية، التي كانت حاضرة بقوة في وجداننا وفي الوعي العام في تلك المرحلة.
كنت صغيرة في العمر، غير أنني كنت أشعر أن للكلمة قدرة على أن تقول ما نعجز أحيانًا عن قوله في الحياة اليومية. وحين وجدت تلك القصيدة صداها لدى القراء، شعرت للمرة الأولى أن ما أكتبه يمكن أن يصل إلى الآخرين، ومن هنا بدأت علاقتي بالشعر والأدب تكبر بهدوء، وتتحول من شغف طفولي بالقراءة والكتابة إلى مسيرة أخذت مع مرور السنوات تعطي ثمارًا طيبة. وربما كان أجمل ما في تلك البداية أنها لم تكن مخططًا لها؛ كانت الكلمة تأتي في وقتها، وأنا أكتشف معها نفسي والعالم من حولي. ومنذ ذلك الحين، بقي الشعر بالنسبة إليّ أكثر من كتابة، وبقيت المعرفة ذلك الشغف الأول الذي بدأت حكايتي معه في مكتبة خالي أحمد.
السؤال الثاني: الاغتراب عالم بحد ذاته، وقد تنقلتِ بين عدة بلدان حتى استقر بكِ الحال في البرازيل؛ ماذا أضافت لكِ تجربة الاغتراب هذه على المستويين الشخصي والأدبي؟
نعم، الاغتراب عالم بحد ذاته، كان من أكثر التجارب التي تركت أثرًا عميقًا في شخصيتي وفي تجربتي الأدبية، وما يزال. وأنا بطبيعتي أحب السفر، وأحمل شغفًا كبيرًا بالمعرفة واكتشاف الأماكن السياحية والأثرية التي ولدت عبر العصور، لذلك كان السفر بالنسبة إليّ رحلة لاكتشاف الإنسان والتاريخ والثقافات.
كانت إيطاليا بداية رحلتي مع ذلك العالم الذي كنت أتمنى أن أراه. ولا أنكر أن الغربة تبعد الإنسان عن أهله ووطنه وعن تفاصيل الحياة التي اعتادها، وتحمل في داخلها شيئًا من المرارة، غير أن لها أيضًا طعمًا جميلًا، لأنها تمنحك فرصة أن ترى العالم من زاوية مختلفة، وأن تتعرف إلى أشخاص وثقافات وعادات جديدة، وأن تكتشف جوانب من ذاتك لم تكن تعرفها من قبل.
انتقلت بعدها إلى سويسرا مع زوجي وطفلَي، وعلى الرغم من أن سويسرا بلاد ساحرة، لم نمكث فيها سوى عامين، ثم عدنا إلى إيطاليا، ذلك البلد الذي أعتبره بلدي الثاني، فقد ضمني واحتواني، وكان شعبه مضيافًا وودودًا. ولا تزال تربطني بأصدقائي هناك محبة كبيرة واحترام عميق.
وفي إيطاليا كتبت كثيرًا. كانت كتاباتي في تلك المرحلة أشبه بنزف داخلي يحمل الشوق والحنين والغربة. في ذلك الزمن لم تكن وسائل الاتصال متاحة كما هي اليوم، فكان البعد عن الأهل والوطن يترك في الروح جرحًا، وكان ذلك الجرح يتحول إلى كلمات وعبارات وقصائد تتراكم وتتراكم، حتى امتلأت الدفاتر بما لم أستطع قوله إلا عبر الكتابة.
أما على المستوى اللغوي، فقد كان الاغتراب مدرسة حقيقية لي. تعلمت اللغة الإيطالية بسرعة كبيرة، حتى إن الأشخاص الذين كنت أقيم لديهم لم يصدقوا أنني أصبحت أتحدث بها بعد شهر واحد فقط من وصولي إلى إيطاليا. وكان الفضل في ذلك يعود أيضًا إلى ابنتهم الصغيرة إيليانا، التي لم تكن تتجاوز الثالثة عشرة آنذاك. كنت أتحدث معها بالفرنسية، وأمضي معها وقتًا طويلًا، وأسألها عن كل صغيرة وكبيرة، ثم أدون كل شيء: كيف تُنطق الكلمة وكيف تُكتب، واكتشفت أن الإيطالية قريبة في كثير من جوانبها من الفرنسية.
والأمر نفسه حدث مع البرتغالية عندما وصلت إلى البرازيل، فقد وجدت تقاربًا واضحًا بينها وبين الإيطالية والفرنسية والإسبانية، فساعدتني اللغات التي تعلمتها سابقًا على اكتساب البرتغالية بسرعة.
لهذا أقول إن الاغتراب أضاف إليّ الكثير على المستوى الشخصي؛ منحني الاستقلالية، والانفتاح، والقدرة على التكيف، وجعلني أكثر قربًا من ثقافات الشعوب وأكثر فهمًا لاختلاف الإنسان وتشابه مشاعره. أما أدبيًا، فقد منحني مساحات واسعة من التجربة والحنين والتأمل، وجعلني أرى الوطن من مسافة، فأدرك قيمته أكثر، وأحوّل تفاصيل الغربة إلى أدب، والحنين إلى قصيدة، والاختلاف بين الثقافات إلى جسر تعبر فوقه الكلمة من إنسان إلى آخر.
السؤال الثالث: دخلتِ عالم الترجمة من أوسع أبوابه لإتقانكِ لغات عدة إلى جانب لغتكِ الأم؛ برأيكِ، هل الترجمة مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، أم هي نقل ثقافة إلى أخرى، أم شكل من أشكال سيطرة ثقافة على أخرى؟
أرى أن الترجمة واحدة من أجمل المساحات التي يمكن للإنسان أن يلتقي فيها بالآخر، لأنها تمنح النص حياة جديدة من دون أن تفقده روحه. المترجم الحقيقي لا يقف عند حدود المفردة، ولا يكتفي بأن يعرف مقابلها في اللغة الأخرى، فهو يحتاج إلى أن يفهم سياقها وإيحاءاتها وثقافة صاحبها، ثم يعيد صياغتها بلغة تصل إلى القارئ وكأن النص كُتب بها منذ البداية.
عندما أترجم نصًا أدبيًا، أشعر أنني أدخل إلى عالم كاتبه، أقترب من أفكاره ومشاعره وبيئته، ثم أحاول أن أنقل هذا العالم إلى القارئ العربي بأمانة وجمال. ولهذا فإن الترجمة بالنسبة إليّ مسؤولية ثقافية وأدبية قبل أن تكون مهارة لغوية.
كما أن الترجمة تفتح الأبواب بين الشعوب، وتتيح للقارئ أن يتعرف إلى أدب وفكر وفنون وثقافات قد تبقى بعيدة عنه بسبب اختلاف اللغة. ومن هنا أؤمن بأنها وسيلة للتقارب والتعارف، لا أداة لفرض ثقافة على أخرى. فحين تكون الترجمة أمينة وواعية، تصبح مساحة للحوار بين الحضارات، ويحافظ كل طرف على خصوصيته، مع اكتشاف ما يجمعه بالآخر من قيم ومشاعر وتجارب إنسانية.
وقد منحتني معرفتي بعدة لغات فرصة واسعة لأعيش هذا الحوار الثقافي عن قرب، وأدرك أن اختلاف اللغات لا يعني اختلاف الإنسان؛ فالمشاعر الكبرى التي يكتب عنها الشعراء والأدباء تعرف طريقها إلى القلوب مهما اختلفت الكلمات.
السؤال الرابع: هل ترين أن الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) تساهم في إنتاج كتابات عميقة، أم أنها تكرّس السطحية، خاصة بعد أن أصبحت متاحة للجميع واختلط فيها الحابل بالنابل؟
أعتقد أن الشبكة العنكبوتية وُجدت أساسًا لتسهيل حياة الإنسان، ومساعدته في البحث والوصول إلى المعلومة بسرعة، وفتح أبواب واسعة أمام المعرفة والتواصل. وقد أصبحت اليوم وسيلة لا غنى عنها للباحث والكاتب والقارئ، إذا أحسن الإنسان استخدامها ووضعها في مكانها الصحيح.
المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الوسيلة من أداة تساعد الإنسان على المعرفة إلى بديل عن فكره وإبداعه. فالكتابة في جوهرها هي جزء من روح الإنسان، تحمل تجاربه وذاكرته ومشاعره ونظرته الخاصة إلى الحياة. وهذه الروح لا تستطيع الشبكة أن تمنحها للكاتب، لأنها لا تعيش ما عاشه ولا تشعر بما يشعر به ولا تحمل ذاكرته وحنينه وألمه وفرحه.
وللأسف، هذا ما نراه اليوم في كثير من الكتابات؛ تكرار واضح، وتشابه في الأفكار والتعبير، وجمود يجعل النصوص تبدو وكأنها خرجت من قالب واحد. قد تكون الكلمات سليمة ومعلوماتها صحيحة، غير أننا نفتقد أحيانًا تلك اللمعة التي تجعل النص أدبًا حقيقيًا، تلك الشرارة التي تخرج من القلب لتصل إلى القلب.
أنا مع التكنولوجيا حين تكون في خدمة الكاتب، وليست في مكان الكاتب. يمكنها أن تساعده في البحث، وأن توسع معرفته، وأن تفتح أمامه مصادر لم تكن متاحة في الماضي، غير أن الكلمة التي تحمل إحساسًا صادقًا لا بد أن يكون وراءها إنسان عاش وتألم وحلم وأحب. فالكتابة الحقيقية تُقاس بما تتركه في روح القارئ وليس بكثرة المعلومات.
السؤال الخامس: هل قدمت حركة الترجمة العربية المعاصرة إسهامات حقيقية في تعريفنا بالآخر؟ وما المعوقات التي تحول دون وصول نتاجاتنا الأدبية والفكرية المتنوعة إلى العالم؟
أعتقد أن حركة الترجمة العربية المعاصرة قطعت خطوات مهمة في فتح النوافذ على ثقافات العالم، وأتاحت للقارئ العربي التعرف إلى آداب وفلسفات وأفكار وتجارب إنسانية مختلفة. وقد أسهم المترجمون العرب في نقل أعمال مهمة من لغات متعددة، الأمر الذي جعل الترجمة مساحة للتعارف والتقارب بين الشعوب.
في المقابل، ما زالت حركة ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى أقل من حجم النتاج العربي وتنوعه. لدينا شعر ورواية وقصة ومسرح وفكر ونقد وتجارب أدبية تستحق أن تصل إلى قراء في مختلف أنحاء العالم، غير أن الطريق أمامها ما زال يحتاج إلى كثير من الجهود المنظمة.
ومن أبرز المعوقات ضعف المشاريع المؤسسية التي تتولى اختيار الأعمال العربية وترجمتها وتسويقها في الخارج، إلى جانب محدودية الدعم المادي للمترجمين والناشرين، وغياب خطط واضحة لاختيار النصوص التي تمثل التنوع الحقيقي في الأدب العربي. كما أن الوصول إلى الناشر الأجنبي يحتاج إلى علاقات ثقافية ومهنية مستمرة، وليس إلى ترجمة العمل وحدها.
وهناك مسؤولية تقع على عاتقنا نحن أيضًا؛ فالأدب العربي يحتاج إلى أن ينفتح أكثر على العالم، وأن نبحث عن المترجمين القادرين على نقل جمال النص وروحه، لا معناه اللغوي فقط. وأنا أرى أن المترجم هو سفير للنص، وكلما كان متمكنًا من اللغتين والثقافتين، استطاع أن يجعل الكاتب العربي حاضرًا في فضاء عالمي أوسع. وعندما تصل الكلمة العربية إلى القارئ العالمي بجمالها وصدقها، يصبح الأدب أحد أقوى الجسور بين الثقافات.
السؤال السادس: لكِ أكثر من ديوان شعري، حدثينا عن تجربتكِ الشعرية؟
تجربتي الشعرية بالنسبة إليّ رحلة طويلة مع الكلمة، بدأت في سن مبكرة، ثم أخذت تتسع مع السنوات لتصبح جزءًا أساسيًا من تكويني الإنساني والفكري. وحتى هذا التاريخ، صدر لي 23 كتابًا، وهي حصيلة أعمال ومراحل وتجارب مختلفة، وما زالت في الدرج دفاتر كثيرة تحمل نصوصًا وقصائد تنتظر الوقت المناسب لترى النور.
كتبت الشعر العمودي، ومن أعمالي فيه «موسيقا بيتهوفن»، و«جروح الوجد»، و«تغاريد الشوق»، كما كتبت شعر التفعيلة في «سادن الغيب»، و«حواف الذاكرة»، و«الهواء الأخير». ولدي أيضًا تجربتي في النثر الفلسفي من خلال «فلسفات على حافة الروح» و«سقوط الأبجدية»، حيث تلتقي الفكرة بالتأمل، ويتحول السؤال الفلسفي إلى مساحة شعرية تبحث في الإنسان والوجود والروح.
ولأن علاقتي باللغات متعددة، كتبت أيضًا بالإنجليزية والإسبانية والبرتغالية، ومن أعمالي «Flowers of Love»، و«The Last Air»، و«La Esperança»، إلى جانب مجموعة القصص القصيرة باللغة الإنجليزية «Like a Cloud»، وكتاب الأطفال «من حكايات جدتي».
وتتسع تجربتي لتشمل أعمالًا أخرى، منها الموسوعة البحثية «مفاتح الغيب… آيات وتجليات»، وديوان «طوفان الأقصى»، وكتاب «محمد… يا رسول الله» بجزأيه، و«طيور الجنة» بأجزائه الثلاثة. كما صدرت أربعة كتب تناولت تجربتي الشعرية والفكرية، هي «تغريد بو مرعي ورحلة في عالم الإبداع»، و«ثقافة المعنى والمبنى في كتاب فلسفات على حافة الروح»، و«بين اللغة والفكر في كتاب أبجدية السقوط»، إضافة إلى كتاب آخر حول تجربتي.
ولي أيضًا تجربتان مشتركتان؛ الأولى ديوان عربي في الشعر العمودي مع الشاعرة اليمنية أمل الفقيه بعنوان « غزة ورقصة العنقاء»، والثانية كتاب باللغة الإنجليزية مع الشاعر الهندي سوراف ساركر بعنوان «Poems».
وهناك أعمال جديدة في الطريق، منها «سيرة النور»، ومجموعة قصصية بعنوان «أنا الآن ميت». وإلى جانب كتبي، لي إسهامات منشورة في أكثر من 555 أنطولوجيا وكتاب عربي وأجنبي.
ومع ذلك، أشعر أن كل ما صدر لا يمثل سوى جزء من رحلتي مع الشعر؛ فما زالت هناك دفاتر كثيرة تحتفظ بأصوات ومشاعر وتجارب كتبتها في لحظات مختلفة من حياتي. وربما أجمل ما في الشعر أنه لا يغلق أبوابه أمام صاحبه، وكلما ظننت أنني قلت ما أريد، جاءت قصيدة جديدة لتفتح أمامي طريقًا آخر.
السؤال السابع: ديوان «طوفان الأقصى» جاء من إعدادكِ وبمشاركة مئات الشعراء العرب؛ ما الرسالة الأساسية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا العمل الجماعي؟
جاءت فكرة «طوفان الأقصى» في بداية الأحداث، حين شعرت أن الصمت أمام ما يجري ليس خيارًا، وأن الكلمة يمكن أن تكون سيفًا حادًا في وجه الظلم، وأن الشاعر حين يعيش قضية بحجم فلسطين، لا يستطيع أن يقف بعيدًا عنها. كنت أؤمن أن علينا، نحن الشعراء، أن نكون مرآة حقيقية لما يحدث، وأن نوثّق مشاعرنا وأصواتنا من خلال القصيدة.
ضم الديوان مئة شاعر وشاعرة من مختلف أنحاء الوطن العربي، عبّر كل واحد منهم عن رؤيته ومشاعره تجاه ما يجري في فلسطين، وفي غزة تحديدًا. وهكذا تحولت القصائد من أصوات فردية إلى صوت جماعي يحمل الألم والغضب والحب والأمل، وكان الديوان، في صورته الأولى، أشبه بطلقة أو شرارة انطلقت من القصيدة نحو العالم.
حرصت أيضًا على ترجمة القصائد إلى اللغة الإنجليزية، حتى تصل هذه الأصوات إلى قارئ خارج العالم العربي، وحتى يكون الشعر وسيلة للتعريف بالقضية ونقل الحقيقة من زاوية إنسانية صادقة. فالشعر يروي الأحداث ويكشف ما تتركه الأحداث في قلب الإنسان وذاكرته ووجدانه.
وكان إهدائي لهذا الديوان إلى فلسطين الحبيبة، لأن فلسطين بالنسبة إليّ ليست قضية عابرة، هي وجع وذاكرة وهوية وانتماء. كما تم التبرع بريع الديوان إلى فلسطين عن طريق الهلال الأحمر الفلسطيني، ليكون هذا العمل الشعري رسالة ثقافية وإنسانية في آن واحد، تؤكد أن الكلمة حين تتحد تستطيع أن تتحول إلى موقف، وأن القصيدة قد تصبح فعل محبة ومقاومة وحياة.
السؤال الثامن: أين تجدين موقع المرأة الفلسطينية واللبنانية اليوم في ظل ما تعانيه من حرب وتشرد وفقدان لأبسط مقومات الحياة، هل يمكن تسميتهما «بالمرأة الصامدة الصابرة» أم «المهشمة الضائعة»، أم «المرأة المدرسة التي ستصنع المستقبل»؟
أرى المرأة الفلسطينية واللبنانية اليوم امرأة صامدة وصابرة، وهي في الوقت نفسه مدرسة حقيقية للحياة، تحمل في داخلها قدرة استثنائية على تحويل الألم إلى قوة، والخسارة إلى ذاكرة، والخوف إلى شجاعة.
المرأة التي عاشت الحرب والتشرد والفقد، ووقفت إلى جانب أطفالها وأسرتها في أصعب الظروف، لا يمكن اختصار صورتها في كلمة «مهشمة» أو «ضائعة». قد تنكسر للحظة ويثقلها الحزن، وقد تحتاج إلى من يسندها، غير أن ذلك لا يلغي قوتها ولا ينتقص من قدرتها على النهوض من جديد.
المرأة الفلسطينية التي تحمل طفلها وسط الخوف، وتحافظ على بيتها وذاكرتها وأرضها، هي مدرسة في الصمود. والمرأة اللبنانية التي عرفت الحرب والنزوح والفقد، واستمرت في تعليم أبنائها وبناء حياتها، تحمل الإرث نفسه من القوة والإصرار.
وأنا أؤمن أن هذه المرأة ستصنع المستقبل، لأنها لا تربي أبناءها على الحياة وحدها، إنها تزرع فيهم معنى الكرامة والانتماء والقدرة على مواجهة الصعاب. وما نحتاج إليه اليوم هو أن نرى هذه المرأة ونسمع صوتها، وأن نمنحها التعليم والأمان والفرص التي تستحقها، وأن نحفظ لها مكانتها في بناء المجتمع.
السؤال التاسع: بما أنكِ تنتمين إلى الجيل الشاب، هل تعتقدين أن هذا الجيل يمتلك الإمكانات والأدوات لتقديم نتاج جديد وحداثي في مختلف صنوف الأدب؟
نعم، أؤمن أن الجيل الشاب يمتلك إمكانات كبيرة تؤهله لتقديم نتاج أدبي جديد ومختلف، خاصة مع اتساع المعرفة وتطور وسائل التواصل والانفتاح على ثقافات العالم. غير أن الموهبة وحدها لا تكفي؛ فالنجاح يحتاج إلى المثابرة والعطاء والقراءة المستمرة، وإلى الإبداع والابتكار والقدرة على التجديد.
أرى أن هذا الجيل قادر على صناعة تجربته الخاصة حين يتحرر من التقليد، ويبحث عن صوته وهويته، ويستفيد من أدوات العصر من دون أن يفقد علاقته بالإنسان ومشاعره وقضاياه. الأدب الحقيقي يولد من الصدق، وينمو بالمعرفة، ويعيش بالتجربة، ويترك أثره حين يحمل رؤية جديدة تستحق أن تُقرأ.
لا شك في ذلك، فالأحداث الكبرى تترك أثرًا عميقًا في الأدب، وتدفع المبدع إلى البحث عن لغة جديدة تليق بحجم المأساة. وكما تحدثت سابقًا عن ديوان «طوفان الأقصى»، فقد جاء هذا العمل مرآة لتلك الحرب، وصرخة في وجه الظلم، ووقوفًا إلى جانب المكلومين والمظلومين من خلال الشعر والأدب.
أرى أن ما يجري في غزة ولبنان سيترك أثرًا طويلًا في الذاكرة الأدبية، لأن هذه التجربة تحمل من الألم والفقد والتشرد والصمود ما يتجاوز قدرة اللغة المعتادة على التعبير. وقد تظهر نصوص أكثر اختزالًا، وأشد كثافة، وأقرب إلى الشهادة الإنسانية، حيث تتداخل القصيدة مع الذاكرة، وتتحول التفاصيل اليومية إلى وثائق تحفظ وجوه الغائبين وأصواتهم.
الأدب الذي يولد من هذه المأساة لن يكون مجرد تسجيل للأحداث، وإنما محاولة لفهم الإنسان في أقسى ظروفه، والدفاع عن حقه في الحياة والكرامة. وسيبقى الشعر مساحة للمقاومة الثقافية، وحفظ الذاكرة، ونقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة، حتى لا تضيع الحكايات وسط ضجيج العالم.




